السيد كمال الحيدري
367
اللباب في تفسير الكتاب
أولًا : إنّ كلّ واحد من هذه السبل كالإسلام والإيمان يجامع شيئاً من النقص والامتياز ، وأنّها مختلفة كمالًا ونقصاً ، كما أنّ مقابلاتها من الكفر والشرك والجحود كذلك ، بخلاف الصراط المستقيم ، والشاهد على ذلك قوله تعالى : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) ( يوسف : 106 ) حيث دلّت على أنّ بعض مراتب الشرك وهو نحو من الضلال كما عرفت ما يجتمع مع بعض مراتب الإيمان وهو سبيل من السبل ومنه يعلم أنّ السبيل قد يجامع الشرك ، لكنّ الصراط لا يجامع الضلال كما تقدّم في الخصوصّيّة الأولى . ثانياً : إنّ الصراط المستقيم متّحد مع جميع السبل نحواً من الاتّحاد ، مع كون السبل متخالفة فيما بينها . فمَثَل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل الله ( كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل المتّبعين للنبىّ صلّى الله عليه وآله أو غير ذلك من سُبل الله تعالى ) كمَثَل الروح بالنسبة إلى البدن ، فكما أنّ للبدن أطواراً في حياته ، هو عند كلّ طور غيره عند طور آخر ، كالصباوة والطفوليّة والكهولة والشيب والهرم ، لكن الروح هي الروح ، وهى متّحدة بها والبدن يمكن أن يطرأ عليه أطوار تنافى ما تحبّه الروح وتقتضيه لو خلّيت ونفسها ، بخلاف الروح فطرة الله التي فطر الناس عليها ، والبدن مع ذلك هو الروح أعنى الإنسان ، كذلك السبيل إلى الله تعالى هي الصراط المستقيم ، لكن ربما اتّصلت بها آفة من خارج أو نقص ، كما تقدّم أنّ الإيمان وهو سبيل ربما يجامع الشرك والضلال ، لكن لا يجتمع شئ من ذلك مع الصراط المستقيم . وهذا المعنى هو المستفاد من بعض الآيات كقوله تعالى : ( وَأَنِ اعْبُدُونِى هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) ( يس : 61 ) ، وقوله : ( قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) ( الأنعام : 161 ) ، فسمّى العبادة صراطاً مستقيماً ، وسمّى الدين صراطاً مستقيماً ، وهما مشتركان بين السُّبل جميعاً .